ميسي ورونالدو ــ أسطورة سابق ولاحق

share on:

“ميسي ربما هو الذى فى حاجة لى الآن، الحياة تحدي، وأنا أحب التحدي، أود أن يأتي ميسي إلى ايطاليا، ويقبل التحدي، ولكن اذا كان سعيد هناك أنا أحترمه، هو لاعب رائع، ورجل جيد”، تلك كانت تصريحات رونالدو لصحيفة كورييري ديلو سبورت بعد انتقاله ليوفنتوس الإيطالي مطلع الموسم الحالي، وبالرغم من كونها تعبر عن شخصية رونالدو التنافسية التي طالما عرفت عنه طوال مسيرته الغنية في الملاعب، وبجانب أنها تعبر عن معنى كرة القدم الحقيقي القائم على التنافسية وما إلى ذلك، إلا أنها تدل على تحدي كلاسيكي بدأ ولم يكتب له نهاية بعد بين أيقونتي اللعبة – ميسي ورونالدو.


نجمان صاعدان وبقوة، أحدهما أرجنتيني يطلق عليه لقب البرغوث ويلعب ضمن صفوف برشلونة الإسباني، عرف عنه معاناته لمشاكل على مستوى الظهر كادت أن توقف مسيرته الكروية قبل أن تبدأ، لولا تدخل الفريق الكتالوني لتبنيه، والآخر برتغالي عنيد بدأ حياته من الصفر هناك في لشبونة، حتى آمن به السير أليكس فيرجسون وأخذه معه ليلامس النجوم في مانشستر يونايتد، يقال عن هؤلاء الشبان أنهما سيحملان متعة كرة القدم على ظهرهما لسنوات عديدة رغم وجود أسماء أخرى يافعة قادمة بقوة حينها أيضاً، إلا أنهما كانا مختلفين نوعاً ما عن البقية، إلى أن التقيا اللاعبان لأول مرة في مواجهة بعضهم البعض في ابريل 2008، ومن هنا بدأت شرارة أهم منافسة فردية في تاريخ اللعبة.


نحن نتحدث عن ماهو أكثر من 1200 هدف، عشر كرات ذهبية، والعديد من البطولات والإنجازات الفردية التي احتكراها طوال تواجدهما في الملاعب، مما لا يدع مجالاً للشك أن هذا التحدي الصغير ساهم بشكل أو بآخر في كل هذه التتويجات التي حصلا عليها، بالتأكيد احتاجا لهذا التنافس الذي جرى بينهما رغماً عنهم في التطوير من أنفسهما يوماً بعد يوم، تصريح رونالدو السابق يمثل نقطة محورية أن تحتاج لمنافسك الوحيد لكي تستمر في محاولة إثبات نفسك، لكن بعد عشر سنوات من تلك المنافسة، وصلنا للسؤال الذي بالفعل يطرح ذاته وبقوة نظراً لما يحدث مسبقاً، هل مازال الثنائي في حاجة لهذا التحدي؟


اللاعب رقم 1


الجمهور لا يرحم، لن يتركك لحالك أبداً طالما أنت عنصر في لعبته المفضلة، هو المتحكم الأول لما يريد أن يراه ويستمتع به، وبعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، أصبح الجمهور قريب من نجومه المفضلين أكثر من أي وقت مضى، وأًصبح خطوة تلو الأخرى قادر على رفع بعض اللقطات نحو النجوم وتهميش البقية.


فبالطبع هدف ميسي في رايو فاليكانو، أو هدف رونالدو في ساسولو له قيمة عند الكثير من مشجعي اللاعبين أكثر من هدف ساني في ليفربول، على الرغم من أن هدف ساني قد يحسم الدوري لصالح الأزرق السماوي هذا العام، إلا أن الزخم والمشاعر الجماهيرية تنطلق أكثر تجاه نجمي اللعبة الكبار، رغم أنهم لاقيا خصمين بالتأكيد أقل من ليفربول، والمباريات كانت أسهل من معركة على حسم لقب الدوري الوحيد في أوروبا الذي لم يتحدد بطله حتى الآن.


بالطبع هذا يعتبر نجاح منقطع النظير بالنسبة للثنائي، كون أن الجمهور يهتم بأبسط وأدق تفاصيلك وانجازاتك ويسلط عليها الضوء أكثر من انجازات الآخرين حتى لو كانت ذات أهمية أكبر من خاصتك، وهذا أمر بلا شك لا يترك أي مجال لدخول لاعب ثالث في تلك المنافسة على الأفضل في العالم لأنها محجوزة بشكل مسبق للثنائي الخارق.


لكن هذا الاهتمام المفرط يفرض رغماً عن النجمين عدم انتهاء منافستهم سواء شاءا أو أبيا لأن الجمهور لن يتوقف عن عقد المقارنات، وبالتالي الصراع لن يتوقف نظراً لأن المشجعين لا يريدونه أن يتوقف، وهو ما ينقلنا لنقطة أخرى، هل مازال ميسي ورونالدو في حاجة لكل هذا الصخب الجماهيري من حولهم؟


دائرة لا تنتهي


عنوان جيد لمسيرة النجمين العامرة، رونالدو يحرز هاتريك في شباك أتليتكو ويقدم ليلة استثنائية أمام الفريق الإسباني يوم الثلاثاء، فيقابله ميسي بهدفين وتمريرتين حاسمتين يوم الأربعاء أمام ليون في عشر دقائق قلبت موازين المباراة تماماً، فيختذل كل عناوين ومحاور الحديث الخاصة بيوم الخميس الرياضية، من صعود يوفنتوس وبرشلونة إلى من قدم أداء أفضل من الآخر، ميسي أم رونالدو.


ونسي تماماً النقطة المحورية من هذين المستويين الأسطوريين، وهي النقطة التي ظهر من خلالها كل شئ في الأساس، فعلى إحدى الجهات، يتواجد يوفنتوس وهو مطالب بعودة لابد منها أمام أتليتكو مدريد في الأليانز ستاديوم، خصوصاً كونه فريق يمتلك امكانيات ترشحه وبقوة للقب هذا العام من جهة، وكونه فريق يعيش تحت ضغط عدم تحقيقه للقب الأوروبي منذ 23 عاماً مضوا من جهة أخرى، وهي بالتأكيد نقاط مهمة جعلتنا نرى ليلة استثنائية أخرى من دوري أبطال رونالدو.


وعلى الجهة الأخرى، فبالتأكيد برشلونة لم يرد أن يودع البطولة مبكراً من قبل فريق أقل منه مرة أخرى، وتكرار كوابيس ليلة مانولاسية جديدة، وبعد التعادل السلبي في فرنسا، كان من الواجب على ميسي أن يقوم بعمله ليس إلا، ويحمل تاج كرة القدم من جديد في عشر دقائق قلبت موازين المباراة تماماً، وأخذ بيد برشلونة إلى الأدوار المقبلة.


فالأمر بلا شك لم يكن يتمحور حول تلك المنافسة الجبرية التي وضعا فيها من قبل هؤلاء الأشخاص الذين يعتقدون أن اللعبة تدور حول ميسي ورونالدو فقط كما لو كانت تلك الرياضة هي واحدة من اللعبات الفردية، كل ما في الأمر أن فرقهم احتاجت إليهم في لحظة ما، وبديهياً رأينا ميسي ورونالدو في ثوب الأبطال الذي اعتادا على ارتدائه، دون النظر لمن سيسجل أكثر من الآخر بالتأكيد.


وبالتالي، سواء كان ميسي أو رونالدو، فلم يبحث أي شخص هنا عن رصيد يضاف لأحدهما في تحدِ لن يزيد أو ينقص مما وصلا إليه، بقدر ما بحثا عن مصلحة فرقهم العامة أولاً، مثلما حدث وتكرر في مناسبات عديدة سابقة ظهرا فيها بشكل استثنائي وأنقذا فرقهم من سقوط وشيك، وبالتأكيد لم يفكرا حينها من سجل أكثر من الآخر وهم يضعا الكرات في الشباك بالطبع، لكن التحدي المزعوم يفرض نفسه بطريقة أكبر مما يبحث عنها الإثنان، حتى لو لن نصل إلى نتائج مؤكدة عن من يستحق لقب الأفضل على حساب الآخر.


وهذا تدريجياً لا يأخذ من رصيد لاعبين عظام في أماكن أخرى فقط، بل يأخذ من رصيد المديح الذي تلقاه زملاء ميسي ورونالدو في الملعب أيضاً، والذين قدموا أداءاً لا يختلف كثيراً في بعض الأحيان عن ذلك الذي قام به الأسطورتان، لكن تكمن مشاكلهم في كونهم لم يظهروا في تلك اللقطة النهائية التي تعيش مع الجمهور أكثر من الأدوار المجهولة الأخرى، بجانب مشكلتهم الرئيسية أنهم لم يخلقوا مثل ميسي ورونالدو.


المعضلة الكبرى


حسناً نحن لن نخدع أنفسنا، فتصريح رونالدو الذي استهلينا به الحديث هو كسر لتلك القناعات التي نحاول أن نزرعها في أنفسنا لقتل التفكير في تلك المنافسة التي لن تنتهي، فالأمر لم يتوقف عند الجمهور فقط، بل ها هو ذا يظهر بشكل جلي عند أحد الأقطاب المشاركة في هذا الصراع، رونالدو ذاته يعرض على ميسي الذهاب لإيطاليا لكي يستمر هذا التحدي بشكل أوسع.


رونالدو يحب أن يعيش تحت ضغوط، سواء كان بشكل ادعائي أو بشكل فطري، فهذه هي حياته والتي بشكل أو بآخر وصل عن طريقها إلى مكانة الأساطير في تاريخ اللعبة، جميعنا نتذكر سخرية بلاتر من البرتغالي عام 2013 قبل حفل توزيع جائزة الكرة الذهبية، ووصفه لرونالدو بالقائد العسكري، على عكس ميسي الفتى الصالح الوديع، وما حدث بعدها عندما أًصر رونالدو على الرد في الملعب بعد هدف ناديه الثالث في أشبيلية وقيامه بالتحية العسكرية كنوع من رد الاعتبار لذاته، حتى لو كان ما فعله بلاتر بسيط جداً، لكن رونالدو حوله لدافع لكي يسجل ثلاثيته في فوز فريقه بسباعية على الفريق الأندلسي حينها.


هو مجرد مثال بسيط من مجلد ممتلئ على آخره من أمثلة ومواقف أخرى دليلة على تفكير رونالدو في اللعبة، هو رجل يبحث عن التحديات ويبحث عن الضغوط، رحيله عن ريال مدريد وهو في قمة مجده معهم متجهاً للسيدة العجوز في حد ذاته جرأة وتحدي، وهذا أمر لا يعيبه، لكن ربما ميسي لم يخلق من طينة التحديات ذاتها، وهذا أمر لا يعيبه هو الآخر.


فلن تجد ميسي يصف نفسه بالأفضل في العالم أو الأفضل في التاريخ كما فعل رونالدو سابقاً، فهو يعرف جيداً أنه لن يستطيع تحمل ضغوط سنتنتج عن تصريح مثل هذا، بجانب أنه لا يمتلك مثل جرأة رونالدو في مواقف مثل هذه لكي يتعامل مع تبعيات تصريحات من هذا القبيل، أي أنه كخلاصة للحديث، فهو لم يبحث عن ضغوط أو منافسة من أي نوع بتاتاً، لم يصرح عنها علناً، وعلى عكس رونالدو الذي ذهب بنفسه إلى التحديات، فميسي جائت التحديات حتى باب داره.


وبالتالي نحن أمام قطبي منافسة محتدمة مختلفان كل الاختلاف عن بعضهما البعض، شخص يريد مثل تلك التحديات، خصوصاً لو كان أمام ميسي، لأن على أقل تقدير فمنافسة شخص مثل ميسي ستكون أصعب من منافسة الشاب اليافع كوالياريلا صاحب ال36 عاماً، والشخص الآخر لا يريد هذا التحدي أو غيره ولم يبحث عنه من الأساس، وفي ظروف طبيعية فالمنافسة من المفترض أن تنتهي قبل أن تبدأ لأن أحد الطرفين لا يريد أن يقحم نفسه في هذا الصراع.


لكن لأن هذا التحدي مختلف تماماً عن غيره، كون الجمهور هو الذي يطلب رؤيته دائماً، وهذا الجمهور بشكل عام لا يحركه المنطق في الكثير من متطلباته، وبناءاً على ذلك سنجد الصراع لن يتوقف عند نقطة نهاية، فربما تتحقق أمنية رونالدو ويذهب ميسي لإيطاليا لمنافسة البرتغالي فقط لأن الجمهور يريد ذلك، ليس لأن رونالدو يرغب في ذلك، وليس لأن ميسي نفسه يرغب في ذلك لأنها نقطة مفروغ من عدميتها في الأساس.

تعليقات الفيس بوك