من أرسنال إلى توتنهام.. هل الحياة تفرض علينا سيناريوهات ثابتة؟

share on:

أولاً وقبل كل شيء، أريد أن ألعب معك لعبة بسيطة، سأعرض عليك بعض الأحداث التي وقعت مع إحدى الفرق دون ذكر أسمائها، ثم أريد منك أن تبدأ في تخمين اسماء هذه الفرق، الموضوع بهذه البساطة، بعد أن ننتهي من تلك المرحلة سنذهب إلى مرحلة أكثر تشعباً، لذلك أريدك أن تبقى مستيقظاً معي قليلاُ.


المكان هو ستاد فرنسا بسان دوني، والزمان هو مايو/آيار من عام 2006، والحدث هو الأبرز حينها، نهائي دوري أبطال أوروبا الذي جمع بين برشلونة الإسباني وإحدى الفرق اللندنية الذي فرغ حينها لتوه من بناء ملعبه الجديد الذي يسمى على اسم أحد شركات الطيران الشهيرة، وانتهى اللقاء بفوز الفريق الكتالوني وتتويجه للمرة الثانية كبطلاً للبطولة الأوروبية في تاريخه، بينما الفريق المطلوب معرفة اسمه هنا عاد أدراجه في لندن مجدداً بعد أن حقق لتوه أفضل مركز له في تلك البطولة، ودخل في أزمة وجودية مع نفسه طالته حتى اللحظة التي نكتب بها هذه الكلمات.


هل عرفت اسم الفريق المجهول في الفقرة السابقة؟، نعم أنت على حق فالفريق المقصود هناك هو أرسنال صاحب ملعب الإمارات الشهير وتلك المجموعة من ألقاب الدوري الإنجليزي الممتاز التي وصلت عددها إلى 13، والأكثر تتويجاً بلقب كأس الاتحاد الانجليزي بـ13 مرة، وسيء الحظ أوروبياً بلقب كأس الكؤوس الأوروبية اليتيم الذي حصل عليه في تسعينيات القرن الماضي.

تيري هنري لاعب أرسنال من نهائي دوري أبطال أوروبا 2006


الآن بعد أن أظهرت براعتك في اللعبة للمرة الأولى الآن أريد أن أعيد الكرة معك مرة أخرى، لكن هذه المرة بأحداث أخرى مختلفة، فالمكان هو ستاد الاتحاد في مدينة مانشستر، والزمان هو نيسان/ابريل من العام الجاري، أما الحدث هو إياب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا بين مانشستر سيتي بطل الدوري الإنجليزي الممتاز بالمائة نقطة الشهيرة، وإحدى الفرق اللندنية الذي فرغ لتوه من بناء ملعبه الجديد المسمى على اسمه، وانتهت بصعود هذا الفريق اللندني بمعجزة شديدة بسبب قاعدة الهدف خارج الديار، وتحقيق انجاز يحدث للمرة الأولى منذ 57 عاماً بالوصول إلى نصف النهائي من دوري أبطال أوروبا، مع وجود احتمالية واردة جداً بمواجهته لبرشلونة الإسباني في نهائي البطولة بعد ستة أسابيع من الآن.


بالطبع أنت حللت اللغز بسهولة، فالفريق هذه المرة صاحب ملعب توتنهام الجديد نادي سبيرز اللندني، الكتيبة التي صعدت بمعجزة إلى الأدوار المقبلة من تلك البطولة دون أن يصرف عليها فلساً واحداً في سوقي الانتقالات الصيفية والشتوية الماضية، لكن ألا تشعر أن هناك بعض التشابهات بين الحدثين؟

احتفالات لاعبي توتنهام بعد هدف يورينتي المؤهل لنصف النهائي


نعم هذا صحيح، وكأن الحياة تفرض سيناريوهات ثابتة على بعض الأشياء، مثل أن يجب على الفرق القابعة بشمال لندن أن تواجه برشلونة عندما تصل إلى نهائي دوري الأبطال، أو أن يصبح رؤساء احدى البلاد على مدار تاريخها كلهم من محافظة واحدة، وهذا ليس جزءاً من لعبة التخمين البسيطة التي لعبتها معك منذ قليل، فنحن هنا للحديث عن كرة القدم ليس إلا.


لأننا لسنا هنا لكي نلعب


يبدو أنك قد بدأت لتوك بملاحظة أن هناك بعض العوامل المشابهة بين أرسنال وتوتنهام عندما وصلا إلى محطتهما الكبرى من البطولة الأوروبية، فالفريقان بالفعل معهما مدربان أصحاب الطفرات الحقيقية التي عاشاها كلا الناديان، ويبدو أن الاثنين على قمة هرم النجاح الأوروبي لفرقهم، وانتهى كلاً منهما لتوهما من بناء ملعبهما الجديد، وكلا الفريقين نجومهما على رادار الفرق الإسبانية سواء هنري من ناحية، أو هاري كين وإيريكسن من ناحية أخرى، وكأن توتنهام طوال الـ13 عاماً الماضية كان يحاول تقليد جاره، ويبدو أنه نجح بالفعل في الخطوة الأولى.


لكن عند وصولنا لذلك المفترق الوعر من الطرق، وهو الذي يبدأ عند أقصى نقطة من النجاح الأوروبي الذي يصلا إليه، هنا تتضح القرارات أكثر، وتظهر الشخصية الحقيقية للأندية وملاكها وأصحاب القرارات بها، وهو الأمر الذي لم يبلي فيه المدفعجية بلاءاً حسناً بالمرة، فالنادي الذي وصل إلى ستاد فرنسا حينها كان يمتلك مدرب لديه الكاريزما التي يحتاجها أي فريق يتطلع للمجد، وبالفعل أثبت جدارته طوال تلك العشر سنوات الماضية التي قضاهم داخل أسوار الفريق اللندني أهمهم دوري اللاهزيمة الذي حصل عليه.


“نحن نريد إجراء بعض الصفقات، لكن لا ننسى أن توماس روزسكي وسيسك فابريغاس وثيو والكوت هم لاعبون يملكون نزعة هجومية، كما أن إدواردو سيتعافى قريبا، وهذا سيكون أشبه بالتوقيع الجديد مع اللاعبين، وهذا ما سيكون سوق الانتقالات بالنسبة لنا”.

آرسين فينجر المدير الفني السابق لأرسنال

تلك الكلمات الماضية توضح لك الميزة الأهم لفينغر كمدير فني للمدفعجية، هو رجل يعرف كيف يتعامل مع الضغوط المادية التي يفرضها الملعب الجديد من تقشف وصعوبة مجاراة معدلات الصرف الهائلة التي يقوم بها مانشستر يونايتد وتشيلسي.


وبجانب فينجر، كان أرسنال يمتلك ديفيد دين كنائباً للرئيس، رجل صاحب رؤية تسابق عصرها بالكثير، بصماته كانت واضحة بالفعل على كل تفاصيل النادي الصغيرة منها قبل الكبيرة، يكفي أنه هو الذي جلب أرسين فينجر شخصياً كمدرب للفريق، وبجانب فينجر فكان هو المسؤول الأول عن تجنيد بعض اللاعبين الموهوبين أمثال تيري هنري، روب فان بيرسي، مارك أوفرمارس، روبيرت بيريس، جيلبرتو سيلفا وبالطبع الصفقة الأهم على الإطلاق دينيس بيرجكامب من انتر ميلان.

أرسين فينجر رفقة دافيد دين


ببساطة هو الرجل الأكثر أهمية هناك عند المدفعجية، رجل كان لديه تلك العين المثلى في اختيار اللاعبين والمواهب التي تصلح لأرسنال، وبجانب ذلك كان يعرف كيف يسير الأمور عندما تتعقد، والأهم من كل ذلك كانت تربطه علاقة مثالية مع ذلك الرجل الفرنسي.


كل تلك الأمور تبدو جيدة للغاية، لكن ماذا حدث لتلك الصورة الوردية التي يظهر بها المدفعجية؟، ببساطة رحل دين، رحل الرجل الأهم داخل القلعة، خلافات مع باقي المجلس الإداري بعد قدوم رجل الأعمال الأمريكي ستان كرونكي واحتلاله لأغلبية أسهم النادي كانت كافية برحيل الرجل الإنجليزي.


بالطبع حاول فينجر أن يشغل هذا الفراغ الذي ترك خلف ديين وبالفعل نجح بعض الشئ في سد كل تلك المساحة الإدارية الشاسعة، لكن في نفس الوقت بدى المستقبل مشوشاً بعض الشئ.. رحيل ديين لم تكن ضربة على المستوى الإداري فحسب للنادي، بل أن أهداف الفريق كله أصبحت محدودة للغاية، كأس الاتحاد الإنجليزي ومركز مؤهل لدوري الأبطال هو كل مايحلم به النادي، بالطبع ذلك شئ لا يتسق مع تاريخ الفريق أو أحلام جماهيره، لكنه كان شيئاً في غاية الاتساق مع الظروف المادية الصعبة التي دخل بها الفريق بجانب رحيل نائب رئيسه.


وهو الأمر الذي دمر العلامة التجارية للنادي، وظهر ذلك الأمر بوضوح بعد أن انتهى أرسنال أخيراً من سداد ديون ملعبه بـ 2014، صفقات كأوزيل وسانشيز ولاكازيت وأوباميانج وميختاريان وغيرهم دخلوا النادي أخيراً، لكن ظل الفريق متمسك بتلك الأهداف التي صنعت لأجله، مركز مؤهل للأبطال وكأس محلي، ببساطة شخصية الفريق في ثمان سنوات تحولت كلياً، لم يعد ذلك التصور عن الفريق البطل له وجود داخل أسوار الفريق تزامناً مع حلول فرق أخرى لأماكن بارزة على الساحة التنافسية، مثل مانشستر سيتي بفضل مالكه الشيخ منصور بن زايد، وتوتنهام هوتسبير وتلك السياسة التي اتبعها ليفي رفقة بوتشيتينو.


لأننا لم نعد كما كنا


كل تلك القصة الماضية عن أرسنال، ماهي إلا درس يجب على جيرانهم أن يتعلموه جيداً وهم يدرسون خطواتهم القادمة قبل تحديد اتجاههم عند مفترق الطرق ذلك، فهم أكثر حظاً الآن لأنهم عرفوا أن احدى الطرق ستصل بهم إلى ماوصل له أرسنال بالطبع.


توتنهام حالة أكثر اختلافاً مما كانت عليه حالة المدفعجية، الأمور في توتنهام كانت ومازالت أقل تعقيداً مما مر به أرسين فينجر، قدوم بوتشيتينو من ساوثهامبتون إلى السبيرز كان تزامناً مع سطوة كلاً من تشيلسي وقطبي مانشستر على المنافسة، مع ظهور خافت لكلاً من أرسنال وليفربول، كل تلك الفرق بشكل أو بآخر لديها ما نستطيع ذكره عنها من التاريخ، سواء بعراقته مع أغلبهم أو مستحدثاً مثل حالة مانشستر سيتي، إلا توتنهام الوحيد الذي ليس لديه أي من هذا أو ذاك.

ليفي رئيس توتنهام رفقة بوتشيتينو مدرب الفريق


فكانت المهمة صعبة على ماوريسيو أكثر من فينجر، فأولاً أراد أن يعدل الأخطاء الفادحة التي حدثت في العصور البائدة أبرزها تلك التي حدثت بعد بيع بيل إلى ريال مدريد في تلك الصفقة القياسية، وإنفاقها على سبعة لاعبين، لم يتبقى منهم سوى إثنين الآن، أهمهم بالطبع إيريكسن، ثم ثانياً أراد أن يثبت نفسه كمنافس وخصم صعب للبقية، كل ذلك تحت أنظار دانييل ليفي الإدارية بالطبع.


صعوبة المهمة تكمن أن الفريق لم يكن أبداً بمنافس على أي ألقاب، وجوده لم يكن يشكل ذلك الفارق المرجو منه، وحتى هذه اللحظة بعد خمس سنوات لماوريسيو رفقة السبيرز، لا يطلب من الفريق سوى تحقيق تلك المنافسة القوية فحسب، وذلك يرجع لإعلاء سطوة المال على المنافسة الإنجليزية، بجانب أن كل من أحضرهم بوتشيتينو حين وطأت أقدامهم في الفريق، لم يكن لديهم من الخبرات ما يكفي لمقارعة هؤلاء الوحوش الذين تستقطبهم الفرق الأخرى حتى الجولات الأخيرة.


والآن بعد التعقيدات التي سيخلفها بناء الملعب الجديد، سيوضع الفريق أمام تحديات ضخمة، فنعم الفريق قام بإنجاز لا يوصف بوصوله إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخه من 57 عاماً، لكن من المرجح أن يخسر أمام فتيان أياكس أو عندما يلاقيا الفائز من معركة برشلونة وليفربول، ومن المرجح أيضاً أن يخسر معركته على المركز المؤهل للأبطال في النسخة القادمة من البطولة.


ربما حان الوقت


لذلك يجب على بوتشيتينو وليفي أن يضعا أسساً للمرحلة التالية للفريق، قائمة في الأساس على الدروس التي رأوها من خلال تجربة الجانرز، فبالتأكيد سيضطروا للتخلي عن احدى نجومهم بسبب التقشف الذي سيفرضه الملعب لمدة خمسة أعوام محتملة قادمة، ومن المحتمل أن نرى خلافات في وجهات النظر بين الثنائي، لكن تعاملهما مع مثل تلك المواقف هو ماسيحدد شكل التجربة الكاملة، لأن بعض الخيارات ستكون بمثابة مجرد تسلسل نمطي مشابه لذلك الذي عانى منه جيرانهم.


وهم الآن لديهم الفرصة أخيراً أن يتخلوا عن محاولاتهم المستميتة أن يصبحوا أرسنال جديد، والبدأ في أن يصبحوا توتنهام ليس إلا، والبدأ في كتابة سيناريو مختلف خاص لتجربة فريدة خاصة بهم ربما يبدأ من عند برشلونة مثلما بدأ الجيران، فقط إذا اختاروا الاختيارات الصحيحة، وحينها فقط ربما تتاح لنا الفرصة أن نلعب لعبة التخمين البسيطة تلك مجدداً، لكن من يدري ماقد نقوله من معلومات تجعلك تحدد اسم الفريق على اساسها.

تعليقات الفيس بوك