مقال رأي – رحلة الكرة المصرية من عصر الانتماء إلى لغة الاحتراف

share on:

فاجأ اللاعب رمضان صبحي، محبي الكرة المصرية، بقراره بالانضمام لنادي بيراميدز بدلا من النادي الأهلي أو الاحتراف الخارجي .

جاء هذا القرار ليفجر قضية لم نتحدث عنها كثيرا خلال السنوات الأخيرة، رغم ظهورها على الساحة الرياضية، وهي قضية الانتماء والاحتراف .

هل يفضل لاعبو العصر الحالي الانتماء أم الاحتراف ؟

 

قديماً كنا نسمع عن مصطلح الانتماء فقط، وكيف أن اللاعبين يفضلون البقاء في أنديتهم، بغض النظر عن أي مغريات قد يحصلون عليها، من أجل الانضمام إلى أندية أخرى .

أسماء مثل حسن الشاذلي نجم الترسانة الأسبق، وشحتة الاسكندراني نجم الاتحاد السكندري الأسبق، و محمود المشاقي نجم غزل المحلة الأسبق، وغيرهم، ظلوا في أنديتهم في فترة تألقهم، ولم ينتقلوا إلى أحد عملاقي الكرة المصرية، الأهلي أو الزمالك .

 

الكابتن حسن الشاذلي
الكابتن حسن الشاذلي

 

حتى في ناديي الأهلي والزمالك كنا نسمع أن لاعباً ما، قد وقع على عقود انضمامه للفريق، بدون معرفة قيمة راتبه، وآخر طلب من النادي تحديد أي قيمة لراتبه، وسيوافق عليها مباشرة .

كل هذه الأحداث كانت مناسبة لإثبات مقدار حب اللاعب وانتمائه لناديه، لكننا لم نعلم ما سيحدث لاحقاً .

 

كنا نعيش في عصر يطلق عليه عصر الانتماء للمكان، دون الالتفات إلى الماديات .

في الألفية الحالية، أصبحت كرة القدم استثمار وصناعة، وتدخلت لغة المال في كرة القدم .

خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أسعار اللاعبين بشكل جنوني، وتبع ذلك ارتفاع أجور اللاعبين أيضاً .

 

الاختبار الحقيقي في التوقيت الحالي :

قرأت مقولة سابقاً، فيما معناها أنه لن تتأكد من مبادئك حتى تضطر لاختبارها، وبالفعل في كرة القدم لم نعرف قدر انتماء البعض حتى ظهرت لغة المال .

مع ارتفاع الأجور بشكل كبير في كرة القدم المصرية، اهتز مفهوم الانتماء، وأصبح كل لاعب معرض لمواجهة الاختبار لحقيقي، الذي سيكشف حقيقة انتمائه لناديه .

الاختبار الأصعب في الألفية الحالية هو الاختيار بين حب الجمهور والنادي من جهة، وبين الأموال من جهة أخرى .

لم يعد هناك إمكانية للجمع بين الاختيارين، مثلما كان يحدث قديماً في الأهلي والزمالك .

 

وبالفعل، أصبحنا نرى اللاعبين ينتقلون من الأندية التي تربوا فيها، وتعلموا كرة القدم فيها، إلى الأندية التي توفر لهم راتباً أعلى، وشهرة أكبر، وأحياناً بطولات أيضًا .

مع مرور الوقت بدأ البعض يردد مفهوم الاحتراف، وانتهاء عصر الانتماء، وأن من حق أي لاعب مغادرة ناديه الأول، من أجل الأموال أو الشهرة أو البطولات .

لا تتقبل الجماهير هذا المفهوم حتى الآن، فهي فقط تحب فريقها، وتريد من كل اللاعبين الانتماء لفريقها فقط دون النظر لأي عامل آخر .

لذلك مع رحيل أي لاعب جماهيري عن ناديها، بغض النظر عن الأسباب، تجد الجماهير غاضبة ومستاءة من اللاعب، وحتى من مجلس إدارة النادي .

 

الغضب الجماهيري مقابل عصر الاحتراف :

شهدنا خلال العقدين الأخيرين عمليات انتقال للاعبين سببت ضجة كبيرة، وبلبلة بين الجماهير، فعلى سبيل المثال نذكر توقيع حسني عبد ربه نجم النادي الإسماعيلي، للنادي الأهلي، واتبع ذلك هجوم جماهيري شديد عليه، حتى قرر اللاعب في النهاية التراجع عن الانضمام للنادي الأهلي بسبب الغضب الجماهيري .

في المقابل نجحت بعض عمليات الانتقال رغم الغضب الجماهيري، وذلك بسبب اتباع بعض الأساليب من أجل تهدئة الجماهير .

على سبيل المثال، يغادر اللاعب لأحد الأندية خارج مصر، ليثبت للجماهير أنه يريد الاحتراف خارج مصر، وبالتالي لن تغضب الجماهير من هذا الأمر .

لكن سرعان ما يعود اللاعب مرة أخرى لأحد الأندية المصرية، بعد قضاء فترة ليست بالطويلة خارح مصر .

يُعد هذا الأسلوب هو الأشهر في تهدئة الجماهير تجاه عمليات انتقال اللاعبين، فعلى سبيل المثال رحل سيد معوض نجم الإسماعيلي إلى نادي طرابزون سبور التركي في يناير من عام 2008 على سبيل الإعارة مع وجود بند يتيح للنادي التركي شراء اللاعب نهائياً، مقابل 900 ألف دولار .

وبالفعل قضى سيد معوض ستة أشهر في تركيا، وقرر النادي التركي تفعيل بند الشراء، لكن سرعان ما قام النادي التركي ببيع اللاعب إلى الأهلي المصري، بعد شراء اللاعب من الإسماعيلي مباشرة .

سيد معوض
الكابتن سيد معوض

 

اهتزاز مفهوم الانتماء، واستخدام لغة الاحتراف :

مع مرور الوقت أصبح اللاعبون حالياً، أكثر جرأة في اتخاذ قرارات قد تغضب الجماهير، فنجد أن عبد الله السعيد قد اقترب بشدة من الانضمام للزمالك مباشرة من الأهلي، رغم حاجة الأهلي لجهوده ورغبة الجماهير في بقائه، بل وأن اللاعب اختار التوقيع للزمالك سراً، في مشهد فاجأ جميع محبي الكرة المصرية .

سار رمضان صبحي نجم النادي الأهلي، ومحبوب الجماهير، على نفس النهج، ولكن بشكل أكثر جرأة، فأخبر مسؤولي الأهلي مباشرة أنه قرر عدم الاستمرار مع الفريق، من أجل الانضمام  للمنافس الجديد في مصر، نادي بيراميدز .

لم يختلف حال اللاعب محمود كهربا عن سابقيه، بل أنه أعلن عدم قانونية تعاقده مع نادي الزمالك، وقرر فسخ التعاقد، من جانبه دون موافقة نادي الزمالك .

كهربا بقميص نادي الزمالك
كهربا بقميص نادي الزمالك

قضى كهربا ستة أشهر في نادي أفيش البرتغالي، ثم عاد إلى مصر لكن إلى الأهلي، رغم أنه كان أحد نجوم الزمالك في الموسم السابق، الذي حقق فيه لقب كأس الكونفدرالية الأفريقية .

هي مشاهد سببت غضباً جماهيرياً واسعاً لكن ذلك لم يُثني اللاعبين المذكورين عن قراراتهم، وهو حدث جديد على الكرة المصرية .

 

هل بالفعل أصبحنا نعيش في ما يسمى بعصر الاحتراف وانتهت لغة الانتماء بشكل كبير ؟

الإجابة هي نعم .

بالطبع نحن لا نعيش في عصر الاحتراف بشكل كامل، لكن دعونا نطلق عليه عصر الاحتراف فيما يتعلق بقرارات اللاعبين بالرحيل عن الأندية والانتقال لأندية منافسة .

لكن حتى ذلك الجانب يبدو منقوصاً في مصر من جانب بعض اللاعبين .

 

التلاعب بعقول الجماهير وارتداء ثوب الانتماء :

وهنا أؤكد على أنه لا عيب في تحديد اللاعب للمكان الذي يريد التواجد فيه، بغض النظر عن قدر المنافسة بين نادييه، السابق واللاحق، لكن العيب هو ارتداء ثوب الانتماء وحب الكيان، ثم خلعه مع أول اختبار حقيقي للانتماء .

“لن أغادر الإسماعيلي سوى من أجل الاحتراف”، مقولة قالها أحد اللاعبين منذ ستة أعوام، وبعد ذلك بعام احترف في أحد الأندية الإماراتية لمدة نصف موسم، لنجده بعد ذلك يعود للنادي الأهلي .

أين الاحترافية في التلاعب بعقول الجماهير ؟

 

“إذا  تواجد رمضان صبحي في في مصر سيكون في النادي الأهلي”، مقولها أكدها رمضان صبحي منذ أكثر من ثلاثة اشهر، والبقية يعلمها الجميع .

أين الاحترافية في تغيير المواقف خلال فترة قصيرة ؟

رمضان صبحي
رمضان صبحي

 

“الزمالك بيتي الأول والأخير”، “الأهلي بيتي”، تصريحان متناقضان أطلقهما أحد اللاعبين، الأول أثناء وجوده في الزمالك، والثاني أثناء وجوده في الأهلي .

أين الاحترافية في التناقض في التصريحات ؟

إذا أردنا تطبيق الاحتراف بشكل سليم فيجب على جميع أطراف المنظومة الالتزام به .

 

لكن لماذا غلب مفهوم الاحتراف على الانتماء في الآونة الأخيرة، وكيف يتخذ اللاعبون قرارات غير معتادة في مصر ؟

 

أولاً، بسبب ارتفاع  قيمة الأموال المعروضة على اللاعبين بشكل غير مسبوق، لدرجة لا يمكن رفضها .

ارتفعت قيمة الرواتب على اللاعبين بشكل كبير عما اعتاد عليه اللاعبون، مما أدى إلى رغبة اللاعبين في استغلال الفرص المعروضة عليهم، ولو مقابل التعرض لبعض الضغوطات نتيجة قبول هذه العروض .

 

ثانياً، بسبب غياب الجماهير عن الملاعب، وابتعاد اللاعبين عن مواجهة الجماهير في المباريات .

تعيش الكرة المصرية عامها التاسع بدون حضور جماهيري حقيقي في مباريات الدوري المحلي، مما أدى إلى ظهور جيل من اللاعبين لا يعلم قدر الجماهير، ولا يتخيل مواجهة غضب الجماهير منه في المدرجات .

تخيل أنك ستتخذ قراراً يُغضب ستين ألف مشجع يحضرون المباريات كل أربعة أيام، كم لاعب سيتحمل كل هذا الضغط الجماهيري ؟

إذا تواجدت الجماهير بشكل كبير في الملاعب، فسيفكر اللاعب قبل اتخاذ قرارات قد تغضب الجماهير .

بجانب أن غياب الجماهير عن المباريات أدى إلى غياب الشعور الحقيقي للاعبين بالانتماء للمكان، وغياب الدوافع التي تربط اللاعبين بأنديتهم، وتجعلهم يرجحون كفة الانتماء عن المغريات الأخرى .

أصبح الاحتكاك الأبرز بين اللاعبين والجماهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو احتكاك في رأيي سهل تجنبه .

ببساطة يمكنك اختيار الصفحات التي تدعمك، وتقوم بقراءة تعليقاتها، ويمكنك بسهولة تجنب التعليقات السلبية في الصفحات الأخرى .

في النهاية هي مجرد حروف مكتوبة خلف الشاشات، ليس لها تأثير قوي أو دائم .

 

ثالثاً، “عصفور في اليد خير من ألف على الشجرة” .

يريد اللاعبون استغلال الفرص المتاحة بأكبر قدر ممكن، فهم لا يمكنهم ضمان أن ما سيحدث في المستقبل سيكون مناسباً لهم .

من يتخذ طريق الانتماء للمكان، وحب الجماهير يرى أنه سيظل محبوباً للجماهير بعد اعتزاله، وستتوفر له فرصة عمل داخل النادي عقب اعتزاله، وسيظل في أحضان ناديه .

لكن من خلال بعض التجارب، فليس هناك شئ مضمون، ومن يحبك اليوم قد ينقلب عليك غداً لسبب أو لآخر .

لذلك يختار بعض اللاعبين عصفوراً في اليد، بدلاً من انتظار ألف عصفور قد يأتون أو لا يأتون .

 

 

رابعاً، الخطاب الإعلامي .

مما لا شك فيه أن الإعلام له دور في تكوين رأي بعض الأفراد، وتوجيه تفكيرهم لاتجاه دن الآخر .

لا يتعرض اللاعبون لهجوم من الإعلاميين والصحفيين بسبب تركهم لأنديتهم، مثلما تفعل الجماهير، وهو أمر صحيح بالمناسبة .

لكن المقصود هنا أن اللاعب لا يتعرض لضغوط إعلامية أو صحفية بسبب قراراته، وبالتالي يكون أكثر راحة في اتخاذ قراره .

 

 

هل انتهى الانتماء تماماً من الكرة المصرية ؟

الإجابة قطعاً لا .

مازال هناك بعض اللاعبين الذين يفضلون المكان على الماديات، لكن بنسبة أقل من السابق .

على سبيل المثال، حسين الشحات لاعب الأهلي الحالي الذي أعلن النادي الأهلي أنه تنازل عن مستحقات مالية لنادي العين، من أجل تسهيل صفقة انتقاله للأهلي، بجانب حصوله على راتب في الأهلي أقل مما كان يحصل عليه في العين الإماراتي .

حسين الشحات
حسين الشحات

 

مثال آخر تم الإعلان عنه، وهو رفض محمد الشناوي حارس مرمى الأهلي عرضاً كبيراً من نادي بيراميدز، عقب بطولة كأس العالم عام 2018، وتفضيله الاستمرار في الأهلي .

 

في رأيي الشخصي الانتماء موجود، وسيظل موجوداً إلى مالا نهاية، ولكن نسبة تواجده تقل تدريجياً مع مرور الوقت، واختلاف المعايير .

 

إذاً ما الفارق بين اللاعب المنتمي والمحترف في العلاقة بناديه ؟

 

يشعر اللاعب المنتمي للمكان بالغيرة على ناديه دائماً، ويريد دائماً تحقيق الأفضل لناديه، حتى إن لم تتوافر كل الإمكانيات اللازمة لذلك .

يشعر اللاعب المنتمي بالترابط مع الجماهير، ويكون قريباً منهم .

يتقبل اللاعب غضب الجماهير في أي مرحلة تقديراً لحبهم لناديهم .

يساند اللاعب ناديه في الأزمات ولا يتخلى أبداً عن ناديه، بل يسعى لمساعدة ناديه إذا استطاع .

 

في المقابل يسعى اللاعب المحترف لتقديم أقصى ما لديه لناديه، لكن يشترط توافر الإمكانيات اللازمة لناديه أولاً .

لا يكترث اللاعب المحترف بأي أزمات تواجه ناديه، فلا مجال للعواطف لدى اللاعب المحترف .

يريد اللاعب المحترف تحقيق البطولات، لكن لا بأس إن لم تتحقق، فالأهم هو أنه بذل أقصى ما لديه .

 

في النهاية، رسالتي للجماهير هي ضرورة تقبل رغبة اللاعبين في الانتقال لأندية منافسة بدون مبالغة في الغضب، ورسالتي للاعبين هي ضرورة عدم التلاعب بمشاعر الجماهير، وإطلاق التصريحات الرنانة التي تنكشف مصداقيتها مع مرور الزمن .

 

 

اقرأ أيضًا : 

هل تؤثر مساحة ملعب كرة القدم على المباريات ؟ التاريخ والنجوم يجيبون لكايرو ستيديوم

تقرير| جائزة نادي القرن الأفريقي .. سبعة أسباب لاحتجاج الزمالك، وما هو الرد الأهلاوي ؟

خاص| الأهلي ينفي لكايرو ستيديوم أن يكون تجديد تعاقد فايلر لمدة عام بسبب المغالاة في الشروط المادية

كويز كايرو ستيديوم – هل تابعت نهائي دوري أبطال أوروبا ؟

خاص| كايرو ستيديوم يكشف مطالب الزمالك الأربعة التي لم ينفذها الفيفا في قضية اللاعب محمود كهربا

علي غزال يكشف لكايرو ستيديوم عن مؤامرة تعرض لها من ناديه البرتغالي السابق

خاص| هيدرسفيلد لكايرو ستيديوم : لم نتلق أي عرض من بيراميدز لضم رمضان صبحي

 

تعليقات الفيس بوك