روبيرتو فيرمينو ــ عن تلك الليلة في مدريد

share on:

مرحباً أنا روبيرتو فيرمينو، بإمكانك أن تدعوني بوبي، واليوم أنا بطلاً لأوروبا.. أو هكذا يقولون ذلك، سأكذب عليك لو قلت أنني أعطي إهتماماً للأمر مثلما يفعل زملائي.


تلك الليلة في مدريد، لم تمر علي بتلك السهولة التي تظنها، فكما كنت أعرف مسبقاً أن تحقيقي لتلك البطولة هو تحقيق لأحلام الملايين من البرازيليين اليافعين الذين كنت مثلهم في وقت من الأوقات، لكن في أوقات الفرح مثل هذه لا أعرف لماذا لم أفكر سوى في تلك الأوقات السابقة فقط.


أنا لست من عشاق الدراما، لكن صدقني في بعض الأوقات يجب أن تتذكر من هي نفسك الحقيقية، ربما هذا ما يجعلك أقوى للمضي قدماً أكثر فأكثر، لكن صراحةً أنا لست مهتم أن أكون أقوى مما أنا عليه الآن.. ربما يجب علي أن أبدأ الآن في حكي ما أريد حكيه لكي تفهم وتحس بما أشعر به.


لكن قبل أن أحكي، هل أنت من مستخدمي تطبيق إنستجرام؟، لأنك لو كنت كذلك فبالتأكيد الإنطباع الأول الذي تأخذه عني سيئاً للغاية، ربما تعرف كيف تبدو تفاصيل حياتي الحالية، لكن هل خطر ببالك كيف بدت تفاصيل حياتي السابقة؟، بالطبع لا ولذلك فالأسطر القادمة لك.


والدتي ماريانا كانت دائماً ماتمنعني من الخروج واللعب في الشارع مع الرفاق، هناك في مدينة ماسايو حيث ولدت ونشأت، كانت الحجة الأبرز دائماً أن الشارع مكان خطير على من هم في الثامنة من عمرهم أمثالي، فعصابات المخدرات والسلاح كانت تجتاح الشوارع كموطن لها، وبالتأكيد تجنيد طفل مثلي يفتقر للإدراك الكامل لما حوله سيكون ثاني أبسط شيء في العالم بالنسبة لهم بعد تناول جرعتهم المخدرة.


كان حبسي في المنزل بالأمر الصعب للغاية علي، فلم نكن نمتلك تلفاز لتضييع الوقت أو ألعاب الفيديو لتسلية من هم في سني الصغير، ببساطة لم نكن نمتلك أي شيء، كنا فقراء للغاية، حتى عندما كنت أخرج من المنزل لم يكن شاطئ ماسايو هو المكان الذي نقصده، الشواطئ ومثل تلك الأماكن لم تكن مخصصة لمن هم شديدوا الفقر أمثالنا، لم نكن نمتلك الوقت له من الأساس.


لذلك فالحل الوحيد لقتل هذا الملل هو الذهاب مع والدي إلى عمله، كان هو رفيقي الوحيد دائماً، عمله كان عبارة عن بيع عبوات المياه الصغيرة في الشارع، ومن هذا العمل البسيط كنا نقتات قوت يومنا كي نستطيع النجاة لليوم التالي.


لكن ما أشعر بغرابته الآن وأنا أكتب لك هذه الكلمات، أنه بالرغم من تلك المسافات الكبيرة التي تعودت أن أسيرها مع أبي جوزيه طوال النهار، إلا أنني لم أشعر بالتعب ولا مرة تقريباً، ولم أشعر بالملل من حكاياته الخيالية لبيعه زجاجاته هناك للمتواجدون بقصر البلاناوتو، لا أعرف السبب الحقيقي بصراحة لعدم شعوري مثل تلك الأحاسيس لأنني لا أتذكر الكثير عن طريقة تفكيري حينها، لكن الشيء الوحيد الذي كنت متأكد منه أن مثل هذه الأوقات كانت من أجمل الأوقات التي مضيتها في حياتي.

لكن طوال مدة خروجي مع أبي شعرت أن ما أفعله لا يمثلني، بيع زجاجات المياه على الرصيف لم يكن أبداً ما أريده، أنا أحب كرة القدم وأحب أن ألعب كرة القدم، عذراً ماما فبوبي الصغير يريد أن يظهر للرفاق قدراته على اللعب، لذلك صنعت لنفسي خلسة عن والديي نسخة من مفتاح المنزل، وكانت الخطة بعدها كالآتي، أستيقظ مبكراً عن المعتاد كل يوم قبل أن تستيقظ أمي، ثم بعد ذلك أقوم بالتسلل دون أن يشعر أحد بي، وبإستخدام نسختي من مفتاح المنزل أفتح الباب وأقابل أصدقائي.


أتسلل مرة تلو الأخرى دون أن يشعر أحد بي، بعدها بفترة خطتي الصغيرة تم كشفها بالطبع، لكن كنت قد لعبت مدة كافية أدركت خلالها السبيل الوحيد لخروجنا من هذا الفقر المهلك، جيراننا أدركوا أن لدي موهبة بكرة القدم، وبدأوا في إقناع أمي أن تتركني لكي ألعب في الشارع، “بوبي الصغير لديه من الموهبة ما يكفي لإخراجكم مما تعيشون فيه، أتركيه يلعب فمن يعرف.. ربما يتغير كل شيء بسبب أقدامه”، هكذا تحدثوا مع أمي وأقنعوها بالعدول عن قرارها، لكن بالطبع شرطت علي أن الشارع بالنسبة لي سيكون للعب كرة القدم ليس لأي شيء آخر، وهذا بالطبع ما وافقت عليه مسرعاً.


تعلمت كيفية العيش في الظروف الصعبة مبكراً للغاية، اللعب مع الرفاق طول النهار بالتوازي مع تجولي مع والدي أثناء بيعه لعبوات المياه، حياتي أصبحت منقسمة جداً، ولكن كانت هذه الطريقة الوحيدة للعيش وتجاوز الأيام.


الفقر وقلة الحيلة كانا يقفان أمامي عائقاً، لكن القدر كان هو مساندي الوحيد، فالقدر هو الذي أرسل لي الرجل الذي اكتشفني وانتشلني من الشارع، صديقي مارسيلوس ضمني لفريق مدينتي المحلي ريجاتاس والذي كان يدربه حينها، لم يكن لدي أموال تكفي حتى للذهاب إلى التمرين، لكن مارسيلوس آمن بي وبقدراتي ووفر لي ما أحتاجه من حذاء رياضي وملابس للتمرين وللعب المباريات.

وقتها بدأت أشعر أن تربية أمي وتعليماتها لي أن لا أنخرط مع عصابات الشوارع جائت بنتيجة، فالبرازيل مليئة بالموهوبين أكثر مني بآلاف المرات، لكنهم وقعوا ضحايا للإدمان والإنهيار المعنوي، لم أفقد إيماني أبداً نحو القدير، وربما أرسل لي القدير بدوره مارسيلوس في طريقي لكي يضعني على بداية الطريق الصحيح كنتيجة لتعليمات أمي الصارمة.


مازلت أتذكر أولى تعبيرات وجه مارسيلوس عندما شاهدني لأول مرة في الملعب، كان سعيداً للغاية، أخبرني بعد مباراتي الأولى أنه يتوقع لي أن أكون نجماً كبيراً، حسناً مارسيلوس لا تقلق فتوقعاتك لن تخيب هاهاها!


لعبت مع ريجاتاس منذ سن ال14، وبمزيج بين تعليمات وثقة مارسيلوس بي من جهة، وبين إمكانياتي من جهة أخرى أثبت نفسي للجميع هناك، وهو ما دفع مسئولي نادي تومبينس بالدرجة الثالثة للتوقيع معي بعمر ال16، لم أمكث في تومبينس طويلاً لأن فيغورينسي بدا أنهم معجبون بقدراتي وطلبوني على سبيل الإعارة، ذهبت بالطبع بلا تردد إلى هناك.


لكن عندما وصلت بدأت أشعر أنني لست على مايرام، فأنا الآن بعيد عن منزلي بمسافة 1600 ميل سعياً خلف كرة القدم، لكن هناك أمور في الحياة أهم من أحلامنا أحياناً، عائلتي وأصدقائي وبيع عبوات المياه هناك بماسايو افتقدتهم بشدة، كنت صغيراً على العيش وحدي بهذه الطريق الصارمة.


مازلت أتذكر مكالمتي الأولى مع أمي عندما توفر لي الأموال لأقوم بها، لا أتذكر ما قلته بالظبط لكني كنت خائف، أعتقد أنني طلبت منها أن ترسل أحداً ليعيدني إلى الديار، لكنني كنت أعرف أنها لن تستطيع تحقيق ذلك لأنها لا تمتلك الأموال لذلك، مازلت لا أعلم حتى الآن هل تلك الدموع التي سمعتها في الهاتف كانت دموع الإشتياق إلي أم أنها دموع قلة الحيلة التي منعتهم من الوقوف بجانب إبنهم في موقف كبير مثل الذي يعيشه.


لكن رغم كل شيء قاتلت، لا أعلم حينها لماذا بالظبط كنت أقاتل، لكن هناك دافع غريب تملكني بعد تلك المكالمة لإثبات ما الذي يمتلكه بوبي الصغير بجعبته، هناك في فيغورينسي كانت إنطلاقتي الحقيقية، تغير مركزي بعض الشيء من نصف الملعب الدفاعي إلى المهاجم الصريح.. صراحةً، لم أكن أركز مع كل تلك التعليمات، هم رأوا عندي القدرات المناسبة لتأدية مهام ذلك المركز، ومن جهتي كانت وجهة نظري في الأمر طالما أنا موجود في الملعب، فأي مركز سيكون مناسب لي.


من الدرجة الثانية في البرازيل إلى البوندسليجا الألمانية، هناك أشياء تفوق قدرة الشخص على الإستيعاب، معجزة ما بشكل أو بآخر حدثت وجدت نفسي على أثرها مطلوب من نادي هوفينهايم هناك في البوندسليجا، يقولون أنهم عرفوني بسبب لعبة ما على الهاتف المحمول لكني لم أشغل بالي أبداً بذلك الأمر. كنت حزيناً لأنني بعيد عن عائلتي بمسافة أقل من 2000 ميل، الآن وجب علي أن أكون بعيد عن وطني بأكمله والإنتقال للعيش واللعب في قارة أخرى، كل ذلك وأنا لم أتجاوز عامي ال18 بعد، لكن الجانب الألماني قال لي أنني أستطيع أن أخذ عائلتي معي، وهو الأمر الذي جعلني سعيداً للغاية، حين قبلت عرض النادي الألماني نظرت إلي والدي في عينيهما وقلت لهما:”أبي، أمي.. الآن نستطيع القول وداعاً للعمل الشاق إلى الأبد”


عندما وصلت هوفينهايم كان كل ما أردته هو إراحة عائلتي بعد كل الفقر الذي شاهدوه، كنت أنا كل يملكاه في الحياة، ومنذ لحظة تركهم لي للعب عندما كان عمري ثمانية أعوام وأنا قررت أن حياتي ستكون لإسعادهم وإسعاد نفسي معهم، ومع كل إنجاز أقوم به أو إشادة في حقي أتلقاها من أحد الأشخاص كنت أرى في أعينهم نظرة بعنوان “بوبي، شكراً لك”.


السعادة هي المغزى التي أرتبطت بمسيرتي مع كرة القدم منذ أن كنت أمارسها في الشارع، تركت البرازيل كلها وذهبت إلى هوفينهايم ومازالت رغبتي في السعادة معي لم تتركني، لقد رأيت الكثير وعائلتي رأت ماهو أكثر، ونحن نستحق القليل من لحظات السعادة تلك.


ملابس غريبة وأخرى فاخرة وأخرى على الموضة، قصات شعر تثير حفيظة الناس أحياناً، إكسسوارات كثيرة ومبالغ فيها في بعض الأحيان، نظارات شمس متنوعة الأشكال، سيارات لا حصر لها، هذا بغض النظر عن الذوق البرازيلي الرفيع في فن الوشوم، كلها طرق وجدت السعادة بها، السعادة الأكبر كانت مشاركتهم مع أصدقائي بالطبع، نعم أعرف رأي الناس في طريقة تصرفي على هذا النحو، لكن أغلبهم لا يدركون النجاة من معاناتك الشخصية كيف تكون مذاقها، شخصياً أضع لنفسي هدف أن أكون قد جربت كل ملذات الحياة مع وصولي لعامي السبعين، باستثناء النساء لأن لاريسا كافية لي تماماً هاهاها.


القدير الذي أخرجني من أحلك أوقاتي إلى أجملها، لم أنساه أبداً ولم ينساني ووضعت على جسدي عبارة “الإيمان بالرب” كي تكون مذكرة لي بالإيمان في أسوأ الأوقات قبل أروعها، عائلتي السبب وراء كل ذلك لم أنساهم هم أيضاً بعبارة ” لا ينتهي الحب أبداً نحو العائلة”، حب حياتي لاريسا والتي لم أنساها بصورتها على يدي اليسرى، إبنتي فالانتين التي تزين صدري بإسمها، كل تلك الرموز التي تلخص حياتي بإختصار، الإيمان، الحب، العائلة، الرب، كل تلك المعاني هم بمثابة رفقائي الذين لم يتركوني طوال رحلتي، وأعتقد أن وجودهم على جسدي الصغير هو أقل شيء يمكن تقديمه لهم لتغييرهم حياتي بكل تلك الطريقة.


لذلك إنتقالي لليفربول لم يكن هو النقطة التي تغيرت عندها حياتي بشكل حقيقي، فهذا الأمر حدث قبل ذلك بكثير، منذ أن حمتني أمي من عصابات الشوارع، ومنذ أن اكتشفني مارسيلوس بريجاتاس، ومنذ أن بكيت في الهاتف لأمي لكي تعيدني للمنزل، ومنذ أن وصلت إلى ألمانيا وتعلمت معنى السعادة، ومنذ أن دخلت لاريسا حياتي وأضفت إليها ذلك المعنى العميق الذي يطلقون عليه الحب، ومنذ أن نعمت بمولودتي الأولى ثم الثانية، نعم كلها أشياء غيرت عندها نظرتي للحياة شيئاً فشيئاً.


والآن تأتي ليلة مدريد، وكما قلت لك فأنا اليوم أكتب إليك تلك الكلمات بصفتي بطلاً لأوروبا، لكن الأمر حقاً لا يشغل بالي بتلك الطريقة التي يشغل بها بال باقي زملائي، فبعد كل ما مررت به من أجل عائلتي، أخيراً بوبي الصغير أمسى بطلاً في أعين والديه وفي أعين زوجته وبناته، وهذا أهم عندي آلاف المرات من ذلك اللقب الذي يتهافت عليه الجميع، لأنه مهما حدث فأنا متأكد أنه لن يسحب مني مثلما سيحدث عاجلاً أم أجلاً مع لقب بطل أوروبا ذلك.


وبعد كل ذلك سأذهب لوالدي الآن، فلدينا عملاً لنقوم به، أنسيت أننا كنا نبيع عبوات المياه تلك في يوم من الأيام؟، سآخذ كأس دوري أبطال أوروبا ذلك لنباشر عملنا من جديد، لكن لن نعبئه المياه اليوم، بل سنملأه على آخره بالنبيذ الفاخر، حسناً أعتقد أنني يجب أن أنهي كلماتي لك الآن لأن والدي في إنتظاري، وداعاً.

تعليقات الفيس بوك