تحليل مانشستر سيتي وتشيلسي | حين يتحول الصياد إلى فريسة

share on:

“كرة القدم كل الطرق فيها تؤدي للفوز، وكل الطرق فيها تؤدي للخسارة”

مارسيلو بيلسا

 

إنتهت قمة الأسبوع السادس عشر من الدوري الإنجليزي الممتاز، بين تشيلسي وضيفه مانشستر سيتي بتفوق أسود لندن بثنائية بيضاء، نتيجة لم تكن في حسبان المتفائلين من جماهير تشيلسي بعد أداءٍ هزيل في الفترة الأخيرة، مقابل سلسلة انتصارات للسيتي توقفت اليوم وتلقى السيتي أول هزيمة في الدوري الأنجليزي منذ أبريل الماضي حين خسر الديربي أمام مانشستر يونايتد في دوري الموسم الماضي.

إن شاهدت المباراة وكنت من محبي الكرة ذات النهج المتحفظ فستعتبر أن ساري قد تفوق في المباراة، وأن الدفاع هو أسلم طريقة للفوز وأكثر أماناً من أساليب الهجوم ولا داعي لأن تبني من الخلف وترتكز للعب التموضعي في أسلوبك طالما أنك قادرٌ على الحسم بسهولة، أما إن كنت من الطرف المضاد المحب للسيطرة والضغط واللعب بدفاعٍ متقدم بشدة، فستقف في صف بيب وأن النتيجة قد ظلمته وأن ساري كان جباناً ولجأ للأساليب المتحفظة خوفاً من خسارة بيب.

أما إن كنت مشجعاً عاقلاً لا تختزل الكرة في أن أسلوبٌ معين هو الأفضل دائماً، وأن التخلي عن كبريائك كمدربٍ أحياناً وتغيير منطقك من أجل مصلحة الفريق، فسترى أن رأي الفئتين صوابٌ وخطأ في آنٍ واحد، وأن كلا المدربان قدم دقائق ممتازة وأخرى سيئة وأن الكفة مالت للأكثر ذكائاً في خوض مجازفات طائشة.

 

تشكيلة الفريقين “هوسكورد”

 

على الورقِ بدأ المدربان بخطتين متشابهتين إلى حدٍ كبير، 4-3-3 بدون رأس حربة صريح حيث كان أجويرو مصابٌ من جهة السيتي، ولأن ساري أراد اللعب بمهاجمٍ وهمي يخدم مخطط لعبه الموضعي الذي ظن أنه سُيفلحُ أمام بيب، فإن كان جوارديولا قد عاد لعادته السيئة القديمة بفتح خطوطه أمام المنافسين الكبار خارج الأراضي، والمجازفة بخسارة المباراة أمام مرتداتٍ لن يجاريها خط دفاعٍ به ديلف وستونز، إلا أن ساري كان أيضاً بحركة طائشة أيضاً من أغرى بيب بحماقته الخاصة، بعد أن حاول اللعب بأسلوبه الاستحواذي ومحاولة بناء اللعب من الخلف أمام أحد أشرس المدربين في تطبيق الضغط على حامل الكرة، لذا وحتى الدقيقة ال40 سيطر بيب في تلك الفترة على الكرة وخنق ساري ورجاله اللذين كانوا يخرجون بالكرة بمعاناةٍ شديدة، وخلق فرصاً عديدة ضاعت معظمها إما لرعونة مهاجمي السيتي أو تألق الحارس كيبا، لن تدري من تلوم ساري الذي كان طُعماً سهلاً وكاد أن يتم إلتهامه، أم بيب الذي مارس هوايته الطائشة على الرغم من أداء فريقه الجيد عدى أنهم أضاعوا فرصاً عدة؟

لذا ولم تمضي خمسُ دقائق حتى نبه كانتي مدربه أن دفاعات جوارديولا مستباحةٌ أمام المرتدات، لكن فقط بالكرات العالية، فمن كرةٍ طولية لويليان والتي تم اعتراضها بعد أن حاول تمريرها، قبل أن يستعيدها، ويمررها لهازراد الذي أعطى لكانتي بينية ذكية سددها الفرنسي بكل ما أوتي من عزم مسجلاً هدف قلب طاولة معطيات المباراة، فساري قد أدرك أن محاولة الأستحواذ على الكرة أمام بيب هي معركةٌ خاسرة، خصوصاً وإن تحامقت وتركت له الفرصة ليفعل ذلك، فلما لا تستغل أنت حماقته هو؟

 

أحدهم تعلم درساً والأخرُ لا

ساري وفي تكرار مفاجئٍ لما فعله كلوب العام الماضي أمام جوارديولا في دوري الأبطال على ملعب الأنفيلد، حين تقدم كلوب على جوارديولا في الشوط الأول من ثم لجأ للتحفظ في الشوط الثاني حرصاً على عدم انهيار فريقهِ البدني وألا يستغل بيب ذلك للعودة إلى المباراة، فاجئنا ساري اليوم بلقطةٍ مماثلة حين قرر تأمين خط دفاعه الذي وإن كان جيداً اليوم، إلا أنه يكون مستباحاً في العادة لضعف لاعبين كألونسو ولويز في التغطية، على الناحية الأخرى يبدو أن بيب لم يستفد من درس بوتشتشينو بعزل جورجينيو عن زملائه، الهدية التي قدمها المدرب الأرجنتيني لكل المدربين اللذين سيواجهون ساري، ففي ديربي لندن الأخير أرانا ماوريسيو أن خنق جورجينيو كفيلٌ بهدم منظومة ساري وجعلها مشلولةٍ تماماً.

 

تمركز لاعبي السيتي باللون الأزرق، يقابله تمركزُ لاعبي تشيلسي باللون البرتقالي “هوسكورد”

في الشوط الثاني باتت الأمورُ أكثرُ تعقيداً لبيب الذي قد هاجم مسبقاً ولم يفلح في التسجيل، فكيف سيسجل فريقه حين يتقدم تشيلسي بالنتيجة ويدرك ساري خطأه ويعدل بعضاً من قرارته السيئة؛ تشيلسي بات أكثر تحفظاً ولا عيب في ذلك أن تغير قناعاتك كمدرب حين تدرك أنها كانت خطأً من البداية، العيب هو الاستمرار في المكابرة كتلك المباراة التي كانت ستشهد فوز بيب الرابع على ساري إن لم يغير ويعدل من أفكاره قليلاً.

لذا لجأ تشيلسي للدفاع في منتصف ملعبهم، وعجز السيتي عن صناعة فرص تهدد مرمى كيبا لفترةٍ طويلة من الشوط الثاني، سواءٌ من الأطراف أو من العمق، المنطقةُ الأقل استخداماً من الطرفين لصناعة هجماتهم.

 

الإفراط يُفسد قيمة أي شئ

حين تُلقي نظرة على تشكيلتي الفريقين تحديداً على لاعبي الوسط، ستتخيل أن فرصاً عديدة ستخُلق من الطرفان بشكلٍ مستمر، لكن الحسبة خاطئة فقد يكون منطقك صحيحاً إن كان خط وسط إحدى الفريقين يواجه وسط فريق في وسط أو قاع الترتيب بالدوري، لكن كيف سيتمكن خط وسطٍ من أن يبرع بالكامل حتى ولو كانت أسماؤه لامعة حين يواجه خط وسطٍ مماثلٍ في القوة، الأمر شبيهٌ بأن يثور بركانٌ ما ويصبُ في البحر، فلا تدرك هل المياة تغلي وترتفع الحرارة بها، أما أن الحمم البركانية هي التي تتجمد؟

تحركات الفريقين بالكرة أثناء المباراة، نلحظ لجوء الفريقان للأطراف والإبتعاد عن العمق المكدس بلاعبي وسط الفريقين “هوسكورد”

 

لذا ومع استحواذ السيتي السلبي في نصف ملعبه لعجزه لمداورة الكرة في ثلث ملعب البلوز المتكدس، ومع لجوء ساري للأمان وعدم المجازفة بثلاث نقاطٍ ثمينة كافيةٌ لإعادته لسباق اللقب، فكان الهدف الثاني بعيدٌ عن اللعب المفتوح أو المساحات الضيقة، فقط ركنية وحيدة لتشيلسي طوال المباراة وإن لم تكن صحيحة إلا أنها كانت كافية لهدف رصاصة الرحمة وقتل معنويات لاعبي السيتي تماماً وإنهاء أي فرصةٍ لعودتهم للمباراة، حيث لم يستفد رجال بيب من تمريرات كيبا الخاطئة أحياناً، ولم يقدم خيسوس الدعم الكافي في الهجوم أو حتى يمكن أن نعتبر ديلف ظهيراً جيداً للدعم الهجومي، بل إن كلاهما لا يمكن أن يكونا خياران أساسيان لبيب إذا ما أراد المنافسة على الدوري الإنجليزي ودوري الأبطال في آنٍ واحد، أو كيف أن السيتي إفتقد لتمريرات دي بروينه الجريئة في مباراةٍ كتلك، مباراة لا يختصرها إلا مقولة “من فات قديمه تاه” فبيب يبدو أنه لم يتخلى عن طيشه بالكامل، وساري لم ينسَ أساليب بلده الأم في كرة القدم الدفاعية، وأنه من الممكن الإستعانةُ بها أحياناً ما إذا أردت أن ترسم إنجازاً حقيقياً في مساره كمدربٍ لكرة القدم.

 

المباراة حملت أخطاء من المدربين ونجاعة أحدهم أكثر من الأخر في اللقطات الختامية، لذا لا نقدر أن نصف ساري بالمثالي ولا أن بيب منحوس، هي مباراة التفاصيل الصغيرة، لا تدري أي خطأٍ هو من سيكون منه هلاكك، هل إن بدأ ساري بجيرو كمحطة والتركيز على الكرات الطولية بدلاً من البناء من الخلف هل سيكون ذلك حاسماً لللأمور من البداية، وهل ما إذا لم يضيع ساني الفرص السانحة سيكون بمقدرة ساري العودة للمباراة؟

كلها أمور قابلة للحدوث أو العكس وهي لا ترجح كفة أحد المدربين على الأخر بشكل مطلق، ولكنها قد تكون كفيلة للثنائي للتعلم من أخطائهم بالمستقبل.

 

تعليقات الفيس بوك